الجاحظ

59

المحاسن والأضداد

محاسن الصدق قال بعض الحكماء : « عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز من الصدق ؛ والصدق عزّ وإن كان فيه ما تكره ، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب ؛ ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق » . وقيل : « الصدق ميزان اللّه الذي يدور عليه العدل ، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور » . وقال ابن السماك : « ما احسبني أوجر على ترك الكذب لأني اتركه أنفة » . وقال آخر : « لو لم يترك العاقل الكذب إلّا مروءة لكان بذلك حقيقا ، فكيف وفيه المأثم والعار » ؟ وقال الشعبي : « عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك فإنه ينفعك ، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك » . وقال بعضهم : « الصدق عز والكذب خضوع » . ومدح قوم بالصدق ، منهم أبو ذر رضي اللّه عنه ، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما أظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء ، ولا طلعت الشمس على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ » . ومنهم العباس بن عبد المطلب رضي اللّه عنه فإنه روى أنه اطلع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وعنده جبريل ، فقال له جبريل : « هذا عمك العباس » قال : « نعم » ، قال : « إن اللّه تعالى يأمرك أن تقرأ عليه السلام ، وتعلمه أن اسمه عند اللّه « الصادق » ، وإن له شفاعة يوم القيامة » . فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فتبسم فقال : « إن شئت أخبرتك مما به تبسمت ، وإن شئت أن تقول فقل » ، فقال : « بل تعلمني يا رسول اللّه » ، فقال : « لأنك لم تحلف يمينا في جاهلية ولا إسلام برة ولا فاجرة ، ولم تقل لسائل : لا » ، قال : « والذي بعثك بالحق نبيّا ، ما تبسمت إلّا لذلك » . ويروى أن رجلا أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « إني أستسر بخلال : الزنا